الأسرة والمجتمعالدين والحياة

طلق زوجتة رسميا وتزوجها عرفيا لينتفعا بالمعاش فما الحكم؟

بقلم فضيلة الأستاذ الدكتور / فتحي عثمان الفقي

وكيل كلية الشريعة والقانون الأسبق / بالقاهرة، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

يسألني الكثير من الرجال، والعديد من السيدات: أنه يتفق مع زوجته، أو تتفق مع زوجها على أن يطلقها لدى المأذون بوثيقة طلاق رسمية موثقة، ثم يعقد عليها عرفيا لتتمكن من صرف المعاش الخاص بوالدها: فما حكم هذا الزواج ؟

فكان الجـواب، ومن الله التوفيق بما هو آت.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آل بيته الطاهرين ومن سارعلى نهجهم إلى يوم الدين، وبعـــــــــــد ،،،،

فإن هذا الفعل يندرج تحت ما يسمى بالحيلة، والحيلة مشتقة من التحول، وهي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال هذا معناها لغة، ثم غلب استعمالها على: ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة فإن كان المقصود أمرا حسنا كانت حسنة، وإن كان المقصود منها أمرا قبيحا كانت قبيحة؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: “لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلون محارم الله بأدنى الحيل”.

فصارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت: قصد بها الحيل التي يستحل بها المحرم كحيل اليهود وكل حيلة تضمنت إسقاط حق لله، أو لأدمي، أو إحقاق باطل فهي تندرج فيما يستحل به الحرام.

والحيل هذه أقسام والذي يهمنا منها هو القسم الأول؛ لأنه الذي يندرج فيه سئوال السائل وهو : الطرق الخفية – الزواج العرفي – الذي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه بحيث لا تحل بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها حراما في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين وصاحبها يسميه العلماء : داهية ومكارا، وذلك مثل: الحيل على هلاك النفوس، وأخذ الأموال ونحو ذلك، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال شرعا في ذلك.

أما إذا كان الظاهر –موافقا للشرع؛ حيث إن عقد الزواج متى تم مستوفيا جميع أركانه وشروطه، كان زواجا صحيحا شرعا تترتب عليه جميع الآثار التي للنكاح الرسمي، ولا تتوقف صحته على تدوينه بوثيقة رسمية، إلا أنه قد صدر القانون رقم 78 / 1931م ونص في الفقرة الرابعة من المادة 99 منه على: عدم سماع دعوى الزوجية عند الإنكار إلا بوثيقة زواج رسمية في الحوادث الواقعة من 1 / 8 / 1931 م، ولكن هذا الذي يسأل عنه السائل في باطنه – أي المصلحة المبتغاة منه – هي استمرار صرف المعاش غير صحيح وغير مشروع، فهذا غير جائز شرعا؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لذاتها، وإنما قصد بها أمور أخرى، هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها، فأي عمل تم على غير هذا الاعتبار فليس على وضع المشروع من الأعمال، فالمحتال قصد إلى ما ينافي قصد الشارع الحكيم فبطل عمله، ومن ابتغى غير هذا فأولئك هم العادون، فالتحايل المشروع هو : ما كان المقصود به إحياء حق – ولا حق للزوجة التي تتزوج بعد وفاة زوجها، أو طلاقه لها، أو البنت إذا تزوجت – في المعاش، أو يكون المقصود بالتحايل دفع ظلم، أو فعل واجب، أو ترك محرم، أو إحقاق حق، او إبطال باطل ونحو ذلك مما يحقق مقصود الشارع الحكيم.

 

فبناء على ذلك فما يسأل عنه السائل هو التحايل بقصد تحليل الحرام بفعل ما ظاهره الحل وهو الزواج العرفي (الذي لا ننصح به إطلاقا وترك وإهمال ما جاء به القانون من التوثيق؛ لأنه يستند إلى أدلة شرعية ألا وهي المصلحة المرسلة، ولما فيه من رعاية وحفظ حقوق الزوجة عند الإنكار، أو الجحود؛ حيث إن الزواج العرفي خطر عظيم عظيم على الزوجة)، فهو لم يقصد بذلك من الزواج ما شرع له الزواج، فهو خداع لله، واستهزاء بأحكامه وآياته وتلاعب بحدود الله تبارك وتعالى، والتخوض في مال الدولة وأكله بالباطل , وهما شريكان في الإثم، وأكل المال الحرام.

وقد دل على تحريم ذلك الكتاب والسنة قـــــــال تعالى: “يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ” البقرة

وقال صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى …” وهذا الحديث أصل في إبطال الحيل المحرمة،

ولقد قال ابن القيم بعد ذكره للعديد من الأمثلة على الحيل الجائزة: “والمقصود بهذه الأمثلة وغيرها أن الله سبحانه وتعالى أغنانا بما شرعه لنا من الحنيفية السمحة وما يسره من الدين على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وسهله للأمة عن الدخول في الآصار، والأغلال وعن ارتكاب طرق المكر والخداع والاحتيال، كما أغنانا عن كل باطل ومحرم وضار، بما هو أنفع لنا منه من الحق المباح النافع.

اقرأ أيضا: الرئيس السيسي يصل إلي الأردن المشاركة في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة من هنا

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى